بقلم مروان عبد العال
رعشة باردة ,انهمرت في صوتها لتطلق لي خبر هديتها " المفاجأة" ! رمت كل ما في كيسها من جنى يومها الطويل .لم تقوى العيون أن تنظر في دهشة ما جلبت .حتى أطراف الجسد ,صارت تلملم نفسها في شعور ينتشر في لسعات صغيرة . تنهش مسامه وتنساب كجيش من نمل فوق مساحته والتواءاته الرطبه. مفاجأة! وعادت ورددتها ونظرت في عيني التي انسحبت من جديد نحو زاوية مقفرة.وفي لحظة حلم عبرتني منذ سنة ويومها صرت مركبا ورقيا يصل ضفة النهر , بللني أيار بمطره الأزرق وألبستني عباءته ثوبا من الأشواك .أنظر في وجها من جديد فأطل على عيون من حلم تنفتح على المدى . أتنهد بعمق لأواسي ذهولها لأني في الحلم ما زلت أحلم.
هي جفرا الصغيرة والمبللة معي بالأحلام .حملت جرحها الصغير وتجاوزت نقطة الحراسة نحو مخيم قديم وانسلت نحو جيفة تراب وحديد ودروب مستجدة فوق أكوام الدور. ومثل حشرة صغيرة ليست تبحث عن كنز , ولا عن لعبة مفقودة أو عن وسادة .بل عن ما استحق أن يفاجئني .....هدية لأيار أم لي لولادة حلم أم لانكسار روح ؟ جفرا الصغيرة تبحث عن نفسها ..عن مسافة ضائعة بين نكبتين , عن صهيل أغنية قديمة عن قصتها وحكايتها ,عن بيت كان هنا وآخر كان هناك. مثل كل ربيع ,كان يطيب لها , وفي المكان المسحول المشوه بأقنعة الدخان .حاولت أن تقتفي خطى جدتها نحو الحقل القريب ,تجول البستان بحثا عن البقلة , تحمل سكينا صغيرة تحفر التربة الحمراءو بين الأعشاب الخضراء بحثا عن الخبيزة والحميضة واللوف والقرصعنة والحوري ............ الفصول والحقول وما يشبه لحظاتها الطرية وعمرها الطري رقصا وجريا وانشادا وغبطة تعود الي بباقةمن زهر الربيع وبراعم صفراء تجمعها في كوب ماء وتضعه على نافذة النهار . جدتها تروي قصة الجفرا على مسامعها عن أغنية أعذب من الطرب وتملأ ساعاتها بأنغام أقوى من الحب والحرب .غادرها المخيم منذ سنة وبقيت جفرا الحكاية والمهاجرة والشريدة تتناسل في الأزقة مع فلاحة جاءت من الجليل , رقصت على زغرودة عرس . جسدها تمايل بحركة مثيرة على دبكة شعبية فوق محصول البيادر .
جفرا العيون الصباحية المليئة بشهوة القهوة والشعر الكستنائي يبرق فوق أكتافها كزيت الزيتون ويفوح من تحت ثيابها رائحة النعنع البري، كانت عشتار الحب فقدت الأرض والنهر واستمرت روحا في جيل يشتعل ويقهر بحكايتها قيد الغربة. مفاجأة ألقتها على مساحات أرض الغرفة وفرشتها أمامي كحكايتها تماما ...لم تمت الصورة وبقت جفرا حية فيها . لأنها أبقى من حقول احترقت وقرية هجرت وزاروب طمر.وسرداب دفن في عمق الحارات لكن الظل العاشق , بقي يحوم كشبح في روحها الأنثوية . بقيت هنا .تعلو صارية الحلم في هبوب ريح ساخنة . تطوف على موج يتنفسه البحر كشهقة طفل يولد .هاربة نحو الوقت العقيم ،دائما تصدح بالفرح الأخضر .مثل مخيم يبحث عن وطن .وفي زفة عرسها يصدح الحادي أهازيجه الشعبية ...جفرا وهي يا الربع ! مفاجأة ..أسقطت داخلي كل جمال أنثوي لتفتح داخلي صفحة الجمال الأبدي ..كم هي جميلة وهي تصنع الحرف الأبجدي تشعل شمع الكلمات في عقول صغيرة في مدرسة مسبقة الصنع في حي صار اسمه البركسات .تصير الأجمل وتتفوق على كل المساحيق وهي تنتشل الحرف الغريق من المخيم الغريق كي تستعيده وهجا في بحر عينيها . رمت أمامي المفاجأة .جلبتها بعد ركوب الدمار والعبور نحو البيت المثخن بالدخان بقرار طفولي لا يعرف أبعاد التحليل السياسي وحساسية الوضع الأمني . تجاوزت حدود الخلاف بين قابيل وهابيل ونخرت بأناملها الطرية بقايا البيوت فكان الموسم الخصب مئات من صور تذكارية . صور كسرت داخلي حواجز الصوت فاندلقت الذكريات ارتعدت لها الجدران وغرقت العيون بغبار حار ..من ملامح التاريخ .هذه مناسبة .تلك مكان صورة لصديق .أخرى لأحبة , وجوه , عيون , ضحكات , فرح , ذهول , تسلسل لأعمار ,سنوات تهدر كالموج . قالت : لا تبك .....انس المخيم . قلت : لا أنس جفرا وحدها , لا تحتاج حكايتها للتبرج كي تكون جميلة ولا للغنج والطلاء كي تكون محبوبة . لن أنس جفرا فهي معي وداخلي أقوى من كل النكبات .مثل شهرزاد . أسطورة النساء تروي الحكايات . تنتهي وتستمر لياليها الألف .هي جفرا الحرية تحلق بأجنحتها فوق المكان . هي وعد العودة يتدلى من عينيها كحلم يسافر . وأنا يسبقه دمي وأقدام الطريق.