ذاكرة تحفظ تراثنا "عاداتنا وتقاليدنا "
إعداد :إنتصار الدّنان
الذّاكرة هناك وإن كان قد مضى على اللّجوء ستّون عاما ً . ستّون عاماً مضت على لجوء شعبنا من أرضنا "فلسطين "لكنّ ذاكرة أولئك الّذين عاشوا فلسطين بكلّ تقاليدها وعاداتها تأبى أن تنسى تلك الأيّام .
الذّاكرة ورغم التّقدّم في السنّ ظلّت تحفظ تلك العادات "من علاقات أسريّة إلى الزّواج ،إلى مناسبات الأفراح والأتراح ، إلى مناسبات الأعياد والإستعدادات لمثل هذه المناسبات .
اصالة
بزيارتنا للحاجّتين عطاف أحمد سالم وشقيقتها ، من عكّا ،كان لهما ذكريات كثيرة عن تلك العادات الّتي ما عادت معروفة لمعظم الفلسطينيين الّذين لا يعرفون شيئاً عن هذه العادات ،فقد تحدّثتا بألم ٍوحزنٍ كبيرين ،وتتمنيان لو تعود هذه العادات لأنه هي الّتي تحفظ تراثنا .
سألناهم عن عادات الزّواج الّتي كانت سائدة في تلك الأيّام ، فكانت الإجابة :" لنا عاداتنا وتقاليدنا الّتي لم تعد سائدة إلى اليوم ، فالعروس قبل الزّواج لم تكن تعرف العريس ، فأمّ العريس هي الّتي كانت تأتي لزيارة أهل العروس ،وتراها وتختارها لابنها ،وهي الّتي تنقل وصف العروس لابنها وعل أساسه كانت تتمّ الزّيجات ،العروس لا ترى العريس قبل الموافقة عليه ، الأهل هم الّذين يحدّدون ويختارون ،فالعروس والعريس لا يريان بعضهما الّا في ليلة الزّفاف ، على عكس العادات السّائدة اليوم .
حنين
وبسؤالنا لهما عن التّقاليد المتّبعة ليلة الزّفاف . كانت الإجابة :" إن الفرح لأهل العريس ،فأهل العريس يعلّلون عدّة ليالي أي "يرفعون الزّينات والأفراح ،ويقيمون الذّبائح يوم العرس ،وأصحاب العريس يحممونه ويرقصون بملابسه .
ومن بين الأغاني الّتي كانت تغنّى "شوها العريس الّذي نحنا بيناتو من أرض عكّا شدّتلو رفقاتو ،لا هو مزوّق ولا تزويق عاداته ،إلّا شب أسمراني ، وكلّ النّاس تحلف بحياتو ، وهاتولنا هالعريس لنشوف حلاتو " .
أمّا العروس فكانت تذهب لحمام السّوق ،تذهب إليه مع رفيقاتها ،تستحم هناك ،وتلفّ بالمناشف ، ترقص حولهن على وقع الدّفوف والدّربكة ،وأغاني الأفراح ، وتجلّى بالشّمع الأبيض وتوضع لها الحنّاء .
أمّا أهل الروس فلم يكونا من الفرح من شيء ، فوالد العروس لا يحضر العرس لأنه عيبٌ عليه أن يحضره وهو والد العروس ، أمّا الأم ّ فلا تغنّي ولا تفرح ،تبكي طيلة ساعات الفرح .
وفي اليوم التّالي للعرس لا يذهب أحدٌ لبيت العروسين الّا أم العروس لتأتي بالخبر "بنتك يا رجل شرفتنا " علامة العروس كانت مهمة بالنّسبة لاأهلها لأنّها ترفع رأسهم وعنوان الشّرف .
رائحة الارض
أمّا عن سائر العادات ،فلقد عرفنا أنه كانت هناك عادة متّبعة من قبل أهلنا ، ألأ وهي عادة"الإستقبال"وقد بقيت لفترة طويلة متّبعة في اللّجوء على اعتبار أنّ هذه العادة تجمع النّاس وتوحّد قلوبهم ،وتجمعهم على المحبة والإلفة .
" كيف كان يهيّىء لمثل هذه الإستقبالات ؟" كانت كلّ عائلة تحدّد يوماً من أيّام الأسبوع ،فالعائلة المنويّ زيارتها ،تحضّر نفسها ، تحضّر الفواكه ،والحلوى ، " والأركيلة" الّتي كان لابدّ من وجودها . فكانت النّساء يغنين ، ويرقصن على أنغام الدّربكة .
هذه العادة غابت اليوم عن بيوتنا ،أصبحت البيوت وكأنّها تناجي أصحابها بالعودة إلى عادات الألفة والمحبّة .
أمّا بالنّسبة للأعياد ، فقد كان لها نكهة أخرى ، إذ تجتمع النّسوة قبل العيد بحوالي العشرة أيّام للإعداد لهذا اليوم ، فكلّ ليلة يجتمعن عند إحدى الجارات للمساعدة في إعداد الحلوى " المعمول ،وفتل حلوى الشّعيريّة " وكان القلّة من النّاس من كانوا يشترون الحلوى جاهزةً من السّوق ، فلحلوى العيد البيتيّة نكهة خاصّة .
أمّا في صباح العيد ،وبعد إعلان صلاة العيد ،وبعد زيارة المقبرة وهي عادة لا يمكن تركها ،ولقد حافظ عليها أهلنا إلى اليوم ، وبالرّغم من اللّجوء .
وبعد العودة من زيارة المقبرة ،تكون الزّيارة الأهم للعائلة الّتي فقدت عزيزاً ،ولم يمض ِ عليه العيد قبلاً ،ومن ثمّ تلي تلك الزيارة ، زيارة الأهل والأقارب ،والأصدقاء .
عادات قد تكون في مثل هذه العادة ما هو قائماً إلى يومنا هذا ، ولكن ليس بنفس اللّهفة والألفة الموجودة يوم كانوا في فلسطين ، وقد يخفّ وهجها يوماً بعد يوم ، وفي ظل ّ التّبلور في المجتمع .
سألنا عن عادات الأفراح والأتراح ، فالاجابة على ذلك كانت :" إن أهلنا لا تفوتهم فائتة ، فهم أهل نخوة ٍ ، فهم يشاركون جيرانهم بالأفراح ، حتّى أنّ الجارة المقابلة لأصحاب الفرح ، عندما تمع مثلاً أمّ العريس " تزغرد" كانت تردّ لها " الزّغرودة "من بيتها ،لتعبّر لها عن مشاركتها فرحتها .
أمّا في حالات التّرح ، كانت العائلات تقف مع بعضها البعض ،وتشاركها حزنها ،وتواسيها وتفتح لها بيتها ،ليكون العزاء مشاركة بينهم .
وكان الجيران يحدّون مع جيرانهم على قول المثل " يا جارة الدّهر حدّيلي شهر " فكان الحداد صعباً . يرتدون اللّباس الأسود أيّاماً غير معدودة "قد تتعدّى السّنين "فهم لا يقومون بطبخ طبخة كبيرة ، ولا يذهبون إلى الحمّام " أي إلى حمّام السّوق ".
فهم يشاركونهم حزنهم وألمهم .
لن تتسى
هذه عاداتٌ كانت متّبعة في الوطن والأرض ، والأمّ العطوف "فلسطين " تجمع الألفة والمحبّة .
نرثيها اليوم لأنّها ما عادت قائمة ،فلقد غابت كما غيّب الموت الآلاف من شهدائنا الأبرار.
حلم العودة إلى الأرض الحبيبة ما غاب يوما ً،إنّما تفتح الجراحات بالعودة إلى استذكار الماضي الجميل الّي كم نتمنى أن يعود ،وأن تحرّر فلسطين .