كتبت سونيا العلي
ما كنت أعرف ترفًا للكتابة على إيقاع الدم، فما كان لي قلب نيرون، وما كنت زوربا - راقصًا أزليًا - في قمّة الحزن...
قبل الحزن بقليل، بعد المجزرة بكثير من الحطام، غزة استفاقت على فجر الكارثة، وأنا صحوت على صوت المذياع، يخبر بكثير من الفرح، فرح فاحش، فاجر، ارتطمت أذناي بذلك الخبر، أكان يجب أن تدمّر بيوت على رؤوس أصحابها لتعمر قمم العرب بموائد الانتصار، أهو انتصار؟!! كنت حين سمعت المذياع في قمة التعاسة لا أكثر، كان قد استفاق العرب على قممهم الكثيرة واتفاقاتهم القليلة التي لا تخلو من لؤم وحقد على كلّ ما يسمّى فلسطيني، علمًا أنّ فلسطين هي الورقة الرابحة لديهم في كل كارثة، وفي كلّ صفقة، وفي كل مجزرة!!
غزة
ولأنّني ما احترفت الكتابة يومًا، خصوصًا وأنا في هول الصدمة، الصدمة الأولى للأحداث، لكوارث أطفالنا الذين انطفأ النور في عيونهم قبل أن يروا النور، أطفال غزة ممنوعون من الأحلام، وممنوعون من اللعب ومن الحياة، أطفال غزة ولدوا كبارًا، ولدوا ثوارًا وثائرين، ألأجل ذلك كانوا هم الهدف الدّسم لانتشاء عيون العدو، وكانوا المادة الدسمة لعدسات الكاميرا، والهدف الأبشع في الحرب الجوية البحرية البرية، ألم يكفِ أنّهم حوصروا بين الموت والموت، وبين المنع والممنوع، وبين جشع السلطة ومتعة الكرسي كانت أجنة غزة تسقط قبل أن يقوَ الرّحم على إنجابها...
غزة
مكبّلة المشاعر كنت، ومكبّلة الأحلام كنت، ومكبّلة اليدين كنت، كيف أكتب على وقع الهزيمة لأنظمة ما عدت أؤمن بها منذ وعيتها، كنت أؤمن فقط بالأحلام، وبالانتصارات التي تحقّقها طلقات الرصاص، في حالة موت سريري للمشاعر، فما كان ذلك القلب ليتحمّل رؤية كلّ تلك الشلالات القانية من الدّماء، وما كان العقل إلا ليكون مجنونًا ليقبل فكرة رؤية شعب يذبح لأنه يريد الحياة.
لكن قلمي، لكن أصابعي، في خضم المجزرة كانتا عاجزتان على الكتابة، اعتكفت قليلاً، كثيرًا عن الكتابة، ليس تواطؤًا كما أنظمتنا، وما نزلت إلى الشارع لأشارك الملايين في التظاهرات الاحتجاجية المنددة بالأنظمة المتواطئة والمشاركة والموقّعة على صكّ الشروع في المجزرة، ليس لعدم جدواها في تغيير الحدث، مع إيماني بعدم التغيير، لكن ذاك الكم من الغليان الشعبي كان ينذر ببشائر النصر، كان حزني أكبر من أن أتقاسمه مع أحد، حتّى عيناي لم تقويان على البكاء، كانت تعاستي أكبر من البكاء وفي المقلب الآخر، في إنقلاب الصورة حين تكون في مخبر التحميض، انعكست صورة الأناس الحقيقيون الذين هم تحت الدمار، يد مصوّرة بكاميرا أحدهم، يد شاهدة أقوى من كل الأقلام، انكفأ قلمي حينها وغاب في درج الطاولة علّه يختبئ قليلًا من عار العروش الصامتة، فقد كانت
في المقلب الاخر يد الطفلة التي ترتدي قميصًا أحمر أبلغ من قممهم وأفصح من قلمي اليتيم.