"عهدير السفينة الي كانت ناقلتنا|"

بقلم تغريد سميري
حاجيات السفر لم تكن عادية هذه المرة. في حقائب المسافرين الثمانين ثياب، طعام، معلبات، وأغطية وفرش اسفنجية ووسائد، وأدوية حمل كل منا علبة منها. المرضى الثمانون جلبوا معهم بزورات، وفواكه، ولبن وباذنجان" مكدوس"، وبقيوا يحضروا لرحلتهم هذه شهرين وأكثر، منهم صحفيون غامروا بوظائفهم وحصلوا على اجازتهم بعد مشاكل كثيرة مع اداراتهم، ومنهم أطباء وصيادلة ومعالجي حروق تركوا مرضاهم بعدما أصابهم هم " المرض العضال"، ومنهم نواب ماليزيون وجدوا أن هناك قبة أعلى من قبة البرلمان الماليزي فانضموا الى المرضى الثمانين الذين ابتلعوا حبوب دوار البحر، والوجهة المشتركة للمصابين بحب فلسطين، هي الحبيبة غزة.سفينة الاخوة: "<br />
كان التجمع في دار الندوة في شارع الحمرا يوم الاثنين في 2 شباط 2009، الساعة الثامنة صباحاً كان الجميع هناك، لم يتأخر أحد وكان الجميع يعيش جواً غريبا من الفرح. بدأنا والزملاء نتبادل الاحاديث عما تخبئه حقائبنا. أحد زملائي الصحفيين قال لي وطئنا والمطر أرض المرفأ، وضعنا حقائبنا في هنغار مغلق ولحقنا المطر والوحل الى الداخل، ولم تمنعنا الزخات المنهمرة من اللحاق بحشريتنا وتفقد " ظافرF" التي ستقلنا الى غزة ولكننا رغم استغرابنا للسفينة الهرمة واكبنا عملية تحميل المساعدات لحظة بلحظة، وعند الساعة الثانية عشر ظهراً تبلغنا بأن الدولة اللبنانية أعلنت أن "ظافر" لاتتمتع بشروط السلامة ، لذا لا يمكننا السفر على متنها. وبسرعة، استطاع المنظمون في لجنة المبادرة الوطنية لوقف العدوان وكسر الحصار عن غزة، أن يأمنوا سفينة أخرى أفضل وتستطيع أن توفر للمسافرين غرفتين بدل العنابر، وحمّامين صغيرين، لم يكترث أحد لهذه التفاصيل ولا لظروف السفر الصعبة التي تنتظرهم، فكانت العين مرة أخرى على الرفيقة الجديدة " تالي" التي ستقلنا من طرابلس، ومن ثم الى لارنكا ، وبعدها الى غزة.
6 ساعات أخرى تحت المطر، وفي العراء، وفي ظل عدم امكانية خروجنا من المرفأ الى الخارج على الاقل لشراء طعام، فكانت معاناة حقيقة تحت المطر وفي البرد وعناء الانتظار كان الاصعب.
ساعات المساء الاولى حملت بشائر بالانفراج، حملنا حقائبنا ووضعناها على متن السفينة، ولما انتهينا دعانا المنسق العام للجان والروابط الشعبية معن بشور الى اجتماع، هرع اليه الجميع لاعتقادنا بأنه ايذان بانطلاق السفينة، ولكنه بدأ حديثه قائلاً " أحمل لكم أخبار سيئة، فوزير النقل والمواصلات غازي العريضي أخبرنا أن القانون البحري الدولي يمنع سفن الشحن من أن تقل ركاباً، ونحن أمام خيارين اما ان نلغي الرحلة أو أن تذهب السفينة مع ثمانية أشخاص". كانت الصدمة سيدة الموقف، وسفينة النجاة " اعتصام أمام السفينة حتى السماح لنا بالسفر"، ولم ينسَ الجميع بأن يوجهوا الاسئلة الى العريضي الذي لم نعرف لماذا لم يخبرنا منذ الساعة الثانية عشر ظهراً بأنه لا يمكننا السفر على متن " تالي" لأنها سفينة شحن، ولماذا سمحت لنا قوات الامن بوضع حقائبنا على السفينة، ولماذا ختمت جوازات سفرنا " بالسماح بالمغادرة " ولم يعترض أحد؟ ولماذا لم يمنعنا أحد باسم القانون البحري من السفر قبل هذه الساعة، مع العلم أن الرؤساء الثلاث وجميع الاطراف في الدولة اللبنانية يعلمون بأمر السفينة منذ خمسة أيام، وجوزات سفرنا سلمت الى الامن العام منذ ثلاثة أيام، فإذا كانت الذريعة حقا هي القانون البحري، فلماذا لم يعترضون الا قبل انطلاق سفينة الاخوة بلحظات؟.
جاء الامر نهائياً بأن سفينة الاخوة لن تغادر سوى بالمساعدات الغذائية، وثمانية أشخاص. كان وقع الخبر قاسياً على الجميع، ولم يعد بصيص الامل الا خبر استعداد رجل اعمال فلسطيني بتقدمة سفينة ركاب لنا ستكون في المرفأ بعد 12 ساعة. أنزلنا حقائبنا التي صارت بلون الوحل ، ورفعت قوات الامن اللبناني سلّم السفينة بعد صعود الثمانية الذين سمح لهم بالمغادرة، وتسلمنا جوازات سفرنا بختم " ملغى" هذه المرة، انتظرنا حتى العاشرة ليلاً ولم نعد نسمع عن هذا المتبرع ولا عن سفينة الركاب، اختفيا بقدرة" القرار السياسي" الذي ابقانا في المرفأ بعد 12 ساعة من الانتظار محطمين.
عدنا الى بيروت، بعد أن لفظتنا" تالي" نحن وحقائبنا الى رصيف مرفأ طرابلس حيث تذوقنا ملوحة القرارات السياسة، وأصبنا بدوار الغضب، وبدا ركوب امواج التضامن مع غزة أصعب من ركوب امواج البحر.
الى بيروت، عاصمة المقاومة، ساقتنا الامواج التي ركبناها، وللمرة الاولى كان الموج جزراً ولا مد فيه أعادنا من حيث أتينا، وكانت الساعات ال12 التي لن ينساها أحد منا في حياته، كان الانتظار قاتلاً وقاسياً، بعد منتصف الليل وصلنا الى بيروت وعند باب الباص وجدت غزاوياً انتظر 38 عاماً على رصيف اللجوء وفي عراء الغربة، جاء لملاقاتي، هو أبي وله أقول" لم أعرف يا بيي معنى انتظارك الا اليوم، ومن أجلك ومن أجل من زرع لي شجرات الليمون في غزة واستشهد عند جذوعها، سأخاطر بركوب البحر مجدداً الى غزة".