كلمات الشّاعر الفلسطينيّ :محمّد كرّوم
ضحية ًطيبةً وبعد . . .
على أنقاضهم نبكي
وكلّ بكاءٍ وأنتم بخير
دعني أبكي ألماً . . .
غيظاً . . .
وحتّى . . . قرفاً
دعني أتسلّل عبر دموعي . . .
وأبكي.
دعني أهرب من الأسماء . . .
دعني أشرب . . وأرتوي
حتّى أسكر . .
حتّى أنسى هذا الحدث
حتّى . . حتّى . . حتّى
لكنّ اللّحم الّذي انقصف
يطلب دوما أن أتذكّر
أن أبكي
وكلّ بكاءٍ وأنتم بخير
وكلّ بكاء عند الغروب . أبتعد
وأبتعد. .وأبتعد
لأتسلّق مرتفعات القلق . . .
ومأساة أحزاني
لأحرّك حزني . .
وأمارس ما يستهويني . . من الهوس
أدخل في البيت الّذي انجرف
طفلا أذكره يتألّم. . .
يصرخ جوعاً
يصرخ وجعاً
يصرخ مفجوعاً
يسراه امتزجت بركام السّقف المثقوب
آه كم يعنيني هذا . . ولهذا . .
أبكي
وكلّ بكاءٍ وأنتم بخير
وكلّ بكاءٍ وأنتم . . في مستوى أكبر
من مستوى الدّمعة
أبي . . .
كلّ المعامل . . تصغي إليك الآن
وكلّ غذاءٍ ملوث . . ملوث . . ملوث
أبي يرحل . .
اشتد ّالغبار . . ذلك النّهار
وغابت تلك الشّمس الباردة جداً
وحلّ اللّيل المرعب دوماً
وظهر القمر . . .
كعادته أسمر . .
وأمي لم تأتِ بعد .
جيوش وفيالق . . تحاصر . . وتحاصر
تصطفّ لتقتلع أمّي
تعزف لحن الاعتداء
ترسم شكلاً جديداً للمقنوصين
ولون آخر للمجزرة
شعر إخوتي بالخوف والخطر
اختبأوا خلف أبي . .
وأصبحت الشّظايا جسد
قدأحبّهم أنا . . كثيراً
لكنّ الموت قد أحبّهم أكثر
مات الكلّ
وحتّى الحبّ نزف
ذهب الجميع . . يفتّش عن أمّي
في الزّقاق . .
خلف الجدار
وما بين الصّمت وصوت الاختصار
مجزرة للنّساء
وبقايا . . لأمّي
أمسكها من الطّرف
لم أجد لها يداً يمنى
فأمّي لم يكن لها أصلاّ . . إلاّ . . يداً يمنى
وهناك . . .
بعيداً . . في جبهة التّاريخ
حيث كلّ شيءٍ يموت
تحاك قصصاً عن غيثٍ
من خيوطِ العنكبوت
لكنّ الّنار كانت . .
قد أكلت كلّ الجثث
واختلطت برائحة الموت
حبوب العدس
وبكينا دمعاً ساخناً
وما زلنا . .
على أنقاضهم نبكي
وكلّ بكاءٍ وأنتم بخير
. . .
خرج الجوع يفتّش عن حزن متناثر
وظلّ الأولاد . .
يرسمون من بقايا الحبوب المختبئة . .
في المسجد المهدوم
وجه الصّمود . .
وانتطرت منّا البقيّة الباقية
ولاحت صيحات الصّرع
وتمسّكنا بما تبقّى لنا من الشّرف
وضحكنا ضحكة المنكوب
لقد أصبنا بخيبة أمل فالملك على البيت الأخضر
يعشق أن يدفن أقدامي . . كي لا أقف
يحفر الأرض فينا
بقهر يكفينا . .
وبكينا . . حتّى الوجع . . حتّى الوجع . . حتّى الوجع
وفقدنا بعد الرّحيل . . ضحيّة
لكن . . ضحيّة طيّبة
كلّ عام ونحن ننتظر
أن نلتقي . .
أن نعانق المستحيل
لكنّ هذا الأمل. .
ترك فينا أثراً . . ثمّ انصرف
فالوقت مرّ منذ زمن طويل
حتّى تعبنا
حتّى نمنا بعد النّعس
وتباعدت الذّكرى . .
حتّى لم نعد نتذكّر
أنّ هناك . .
في تلّ الزّعتر
طفلاً مات
ظلما ً. . قهرا ً. .
ذبحاً . .
حتّى ارتجف
حذار . . حذار أن ننسى
وإلّا . . أصبحنا . .
جميعاً جميعاً
مجرد تحف.