بقلم ظافر الخطيب
يستعرض البعض منا عضلات الواقعية الهزيلة اللابسة رداء الشرعيات الدولية، فيفترض أنه يصيب حكماً ، يقنع نفسه، و يحاول جاهداً أن يقنعالآخرين بجدوى فعله، لكنه لا يعرف، أن ما هو فاعله هو حقا جاهله، بالشكل كما في المضمون، هنا يصح فيه قولة قائل، "ألا إن فنّ البغاء هو حقا محض بغاء" ، أما النضال والثورة، أما التحرير والعودة فتلك مسألة اخرى ، لا ينفع فيها هذا النمط المسخ بل في العودة الى الأصل في الحق، الأصل في العدالة، وهي أصول لا ينفع معها إلا فن البحث عن انتصار ليس معه أي انتصار
وكأنه لم يكفينا، هذا الدرك الوضيع من النص السياسي الذي يركب كل ماهياته على شرعيات غير عادلة اصلاً ، حتى تأتينا ماهيات ( انجوزية ) غير برئية فتسوّق لقرارات متواطئة، ظالمة، تستبيح الحق، و تسيله في صورة تنازلات لها أرضيات قانونية، وفي توقيت تمتاز فيه الخصوصية الفلسطينية بالاستقالة للمستويات السياسية من مهماتها، لتأخذ بعداً سياسياً بامتياز، دون النظر للاشكال الانسانية المدنية المركبة بطريقة ..
[جماعة 194
ذكية جاذبة ، لكنها في حقيقة أمرها أم المصائب ، ومن نكد دهرنا أننا نقبل ولا نملك خيار الرفض أو حتى الإعتراض.
و أكثر ما يثير الإستغراب هذا التشيّع للقرار 194 الشهير، الذي يتخذه ساستنا على اختلاف مشاربهم تقريباً كسند قانوني للمطالبة بالحق(العودة)، والذي يطرح بطريقة استجدائية متهافتة، في وقتٍ تتعرض فيه فكرة المقاومة في النص السياسي الى اغتيال متعمد، من خلال اسقاطها من البيان السياسي ، فيتم اعادة تعريف حق العودة ، وهو بالتالي اعادة تعريف العدالة بشكلها النسبي المتوافق مع موازين القوى، و هي بشكل او آخر اعادة انتاج فكرة نأخذ ما يعطى لنا، فإذا كان المعطي قوياً و يتسم بالبخل الشديد، فإن ذلك يعني اعادة تعريف العدالة على مستوى صفات المعطى، وهو ما يعني عكس الحق تماماً، لكنه هذه المرة ليس بشرعية دولية ، ادهى من ذلك ، بشرعية اهل الحق و بغطاء دولي وعربي.
إن تطبيع الفكرة في وعي الناس، وتحويلها الى ثقافة و بالتالي الى نضال يومي بأشكال مختلفة و حرفها عن مسارها إنما يخدم حكماً مخططات العدو في الشطب والالغاء، خاصة إن هذا التركيز المستغرق في القرار ال(العادل جدا)، هو تركيز ملغم، لانه لا يستند الى قراءة فعلية للقرار و يستمد قوته من (البرنامج الواقعي) لمنظمة التحرير الفلسطينية ومن ما يسمى بال(قراءة واقعية) لواقع الحال،وهي هنا رديف لمقولة (المقاومة المدنية)، المطروحة كبديل عن المقاومة بوجهها الحالي .
ماذا بعد؟
ما الفرق بين فكرة العدالة بتعريفها الفلسطيني المدفوع فيه تضحيات جسام، و بين العدالة بتعريفها الدولي الجديد، المتغير بشكل دائم، و بقوة الاخر مشفوعاً بضعفنا وانقسامنا؟
ما الفرق بين الحق العادل للفلسطيني و بين الحل العادل وفق مصطلحات البعض؟
وهل القرار الدولي الشهير هو البوصلة للنضال الفلسطيني؟
النص النضالي الفلسطيني، هو نص حق العودة، كحق مقدس و ثابتة من الثوابت التي لا جدال فيها و ليس معذوراً اي مفرط فيها، تحت طائلة المسؤولية ، وحق العودة وفق ابجديات النضال الفلسطيني هي عودة الى الأراضي التي هجر منها اهلها، وإلا فلماذا هذا البذل و ذاك العطاء على مدار عقود من الزمن؟
اما في القرار الشهير الذي نجتره بشكل دائم(194) فإنه يتحدث عن (عودة من يرغب من اللاجئين الفلسطينيين)، و(التعويض على من لا يرغب)، و يضيف ذلك القرار جملة (إعادة توطين من يرغب بالعودة من اللاجئين)، ولما كانت فلسطين التاريخية هي فلسطين ب27 كلم مربع، ولما كانت فكرة إعادة التوطين مطروحة كحل من الحلول المشتقة من أوسلو، فإن هذا يعني إن من يعمل على تسويق القرار 194، و الحل العادل بمقاييس التوازن و الزمن الاسرائيلي ، يعملان على نفس الهدف ، وهنا حقا أم المصائب، فتثكل فلسطين بعبقريات أبنائها.
من المتعارف عليه في الفكر السياسي هو أن التكتيكات السياسية تمثل ضرورة في العمل السياسي، وقد اصطلح في الفكر السياسي الفلسطيني على استخدام تعبير (البرنامج الواقعي)، الذي بنيت عليه سياسة منظمة التحرير الفلسطينية ، وبغض النظر عن مدى انحدار العلاقة بين التكتيكي و السياسي و تحول التكتيكي الى استراتيجي (امارة غزة و دويلة سلام فياض)، فإن الرافعة الحقيقية لذلك التكتيك كانت تتمثل في طرح برنامج واقعي يحظى بتأييد دول العالم وبشكل اساسي دول الغرب، و خلق رأي عام مساند للقضية الفلسطينية و لفكرة الحق الفلسطيني.
هذا يعني إبقاء هذا التكتيك ضمن هيئات القرار السياسي، والتمثيل السياسي، على أنه لا يعني أن يتحول الى اسلوب وحيد وأساسي في العمل الفلسطيني، ولكن الاصرار على طرح القرار بمعزل عن القرارات الاخرى ، والإكتفاء به دون غيره ، مع تجاهل الحق بالمقاومة وباتباع كافة اساليب النضال، و أحياناً نبذه كحق طبيعي،ناهيك عن اسقاط مفردات التحرير والعودة، فإن ذلك يؤدي حكماً الى تشويه المنطلق والهدف و حرف البوصلة عن مسارها.
يخطأ من يعتقد، أنه قادر على فهم او استشراف مستقبل الصراع، فدائما كانت فكرة الحل موجودة، و دائما كان هناك من يروج الى فكرة الحل القريب والتسوية الداهمة، لكنه كان يفاجيء دائماً بأن الصراع يتخذ منحاً تصاعدياً اكثر، بحيث يتحول الى مزيج مركب معقد.
ماذا يعني ذلك ؟
ذلك يعني حكماً أن كل الإحتمالات قائمة، هذا ما أكدت عليه الانتفاضتين الأولى والثانية مع كل الملاحظات عن البعض على الثانية، وهذا ما طرحه أيضاً عدوان تموز و نتائجه، والعدوان على غزة ونتائجه، فكما أن الهزيمة تحولت الى قاعدة قدرية تحكم منطق جماعة ال194 ، فإن احتمال الإنتصار كان و سيظل قائماً كاحتمال نظري قائم على ارضية ان البرنامج النضالي الفلسطيني لم يستثمر حتى اللحظة كل الطاقات والامكانيات الموجودة.
بناءً عليه فإن فكرة تكسير الحلم عبر آليات المستوى السياسي مشفوعاً بأفكار البعض الانجوزي مدمرة و يجب ان تكون مرفوضة، لا التعامل الخجول معها من باب الحفاظ على الحدود الدنيا من التماسك والقوة ، واستيعاب حركة المجتمع الفلسطيني السلبية والايجابية، لأنها كلام حق يراد منه باطل..................