نعم هي إرادة الحياة .. ولا شيء أخر

مع بداية عودة أهالي البارد إلى مخيمهم في 10 \ 10 \2007 اعتقد الجميع، مؤسسات إنسانية ، وانروا ، وحتى بعض القيادات السياسية ، إن هناك استحالة لعودة الحياة الطبيعية إلى هذا الجزء من المخيم والذي يعرف باسم "المخيم الجديد" .
وخصوصا حين أضيف إلى حالة الدمار الشامل، تعقيدا إضافي يتعلق بإمكانية الدخول والخروج إليه، والذي يحتاج إلى إذن مسبق من قيادة الجيش الواقعة في منطقة القبة في طرابلس،وقد يستغرق الحصول عليه أياما .
وهذا الأمر ليس بالبساطة التي يبدو عليها ، فهذا من شانه أن يزيد من صعوبة الحياة ، صعوبات جديدة ، تتعلق بأبسط التفاصيل الشخصية لكل فرد ، بدءا من التواصل الاجتماعي على مستوى الأسرة ذاتها - وعلى سبيل المثال : ليس بمقدور أي أخ من زيارة أخيه إن لم يكن يملك تصريح بدخول المخيم - ومرورا باليد العاملة والتجارة التي تشكل مصدرا لرزق المئات من الأهالي .

أجزاء واسعة من المخيم الجديد دمرت ، وإحياء بكاملها أحرقت ، وبيوت عديدة سرقت محتوياتها، والحارات فقدت ملامحها ، فهام أهلها كالغرباء ، يسالون عن منازلهم وممتلكاتهم وكأنهم في منطقة لا يعرفونها .
نعم كانت الرجعة إلى المخيم حلم وتحقق .. بهذه الكلمات عبر العديد من أهل المخيم عن ما سألناهم عنه .
يقول حسن ابن التسع عشرة عاما، كنت أتخيل أنها مستحيلة... وكنت أقول لأصدقائي: هل تصدقون إننا سنعود إلى المخيم ؟! إن ما تسمعونه في الإعلام هو كذب، ضحك على اللحى..
ولكننا عدنا نعم بفضل إصرارنا وتمسكنا بمخيمنا ، سمعنا أن هناك مخيمات أزيلت ، ليست على زماننا ، وظننا أن مخيمنا سيكون ضحية جديدة ، ولكننا عدنا ... على الأقل على جزء منه .
في ما سمي المخيم الجديد بلغ عدد العائلات العائدة حوالي 2000 عائلة ، وقد قسمت أحياءه إلى خمسة أقسام : قطاع "أ " ،" ب" ، " س" ، " ي "، وقطاع د ، وهي تحيط بالمخيم القديم من الجهات : الشمال و الشرق والجنوب ، حيث أن البحر من الجهة الغربية .
نعم إن هول المشهد قد يبرر للبعض الانطباع الذي أصيبوا به " إن الحياة تكاد تكون مستحيلة " ، وخصوصا أن المؤسسات NGOS ، و م - ت – ف ، والانروا الذين ناخرو كثيرا في تقديم يد المساعدة للأهالي العائدين ، وما قدم في أول شهرين شحيح ولا يذكر ، وخصوصا انه مع بداية فصل الشتاء ، فلا منازل تصلح للسكن ، أو ملابس و أغطية تقي البرد ، وقد اظهر هذا المشهد وكأن هذه المرجعيات غير متا كده من تصميم الناس ، وهي تمتحن قدرتهم على الصمود والبقاء .
لكن هؤلاء نسو أن للإنسان إرادة، هي التي تصنع البقاء، وتكيف الظروف، إذ ما أراد يلين الحديد، ويتفتت الصخر، لو غاب المثل، لكان هذا القول شعرا لا أكثر، ولكن بين أزقة البارد وفي عيون أطفاله حقيقة ولو كانت مرة.
ما ميز البارد في الماضي هو الحركة التجارية النشطة، في مختلف أحياءه، من الشارع الرئيسي، وهو يشكل الملهم، لكي يستعيض أهل المخيم الفلاحين بالأصل، فقدانهم لأرضهم في فلسطين، ليصبحوا تجارا شطارا.
إلى سوق الخضار الممتد من الشارع الرئيسي حتى البحر ، ثم امتدت المحال إلى كل زقاق وزاروب كأنها الفطر على جنبات الأزقة ، وحتى صار مقصدا لمحيطه اللبناني ، قرى عكار وبلداتها المجاورة حتى أخر الحدود الشمالية ، فاستحق عن جداره الشريان الاقتصادي للبنان الشمالي .
اليوم حين تتجول بين أحياء المخيم الجديد تشعر أن الحياة عادت وأصبحت حقيقة لا نقاش فيها،
في كل بيت ورشة عمار ، في كل شارع محال تفتح أبوابها ، واللافتات تزين عتباتها لتستقبل زبائنها بعبارات تنعش الروح " أهلا بكم في البارد من جديد " ، " مرحبا بزبائننا الكرام .. لقد عدنا " .
ورش النجارة والحدادة ومعامل الألمنيوم ، محال الخضار ، واللحوم ، الكافي نت ، مؤسسات الأدوات الكهربائية ومطاعم الفلافل ، البسطات الكبيرة والصغيرة ، حتى محال الذهب ومحال الملابس الجاهزة وغيرها وغيرها .... الخ جميعها عادت لتأكد عودت الروح.
حين سألنا أبو العبد وهو في العقد السادس من عمره، عن سبب عودته للبارد ؟ نظر إلينا مستغربا السؤال، ورد متسائلا: ولم لا.. وتابع: السر في الإنسان وليس في الحيطان، هل تظن إننا ولدنا تجارا !! لقد كانت جنى عمرنا ، كنا في الخيام ، ولم ننكسر ، سنعيد بناء ما فقدنا من جديد .
في أخر طريق السكة ، المدرسة المستحدثة ، بالقرب من حي البركسات حيث أكثر من ثلاثمائة عائلة تسكن هناك ، المدرسة مكونة من حوالي 25 صف ، وهي عبارة عن مستوعبات من الحديد والمجهزة كصفوف مدرسية ، يرتادها حوالي ما يزيد عن الألف طالب من مختلف المراحل ، من الأول ابتدائي وحتى الأول ثانوي .
سألنا احد التلامذة المتوجهين إلى المدرسة:
مرحبا
أهلا
ما اسمك
طه
كم عمرك
تسع سنوات
هل أنت مبسوط في المدرسة ؟
صمت .... "ثم أجاب" لا ادري ..وتابع .. لكننا نتعلم .. ضحك ..وحين لمح ثلة من اقرأنه ركض مسرعا وأشار إلينا بيده ...مع السلامة .
هي معاناة طبعا، في الحر، يقول الأطفال أنها أفران، وفي الشتاء ثلاجة.. ولكننا نتعلم !!
لو أردت تفسيرا منطقيا، لن تجد، الآن الأمر خارج المنطق، لا يمكن فهم ما يجري إلا إذا وضعته في خانة " إرادة التحدي " وحدها يمكن أن تطيعك تفسيرا.
من مدخل المحمرة نزولا وحتى مفرق شارع السكة ، ستجد حركة كثيفة كل يتابع شؤونه اليومية ، حيث تعتبر هذه البقعة من مناطق الحيوية في المخيم الجديد ، فهي مدخل رئيسي للمخيم وتحديدا لقطاعي ، ب وس ، ثم ستصادف الكراج الرئيسي للمخيم ، تنقلك سيارات الأجرة لمخيم البداوي أو إلى مدينة طرابلس ، حيث عشرات السيارات تنتظر دورها .
نسال احدهم واسمه سامر " 23 سنة" :
كيفك ؟
الحمد لله
كيف الشغل ؟
والله خير كويس ، " أناس رجعت والورش مفتوحة زي أنت شايف " والحمد لله المخيم عم بترجعلو حيويته ، ونشالله الخير لقدام .
عند منتصف الطريق نجد مركز الشفاء، مستوصف طوارئ نسال الدكتور توفيق أبو اسعد، عن طبيعة عملهم فيقول:
نحن نعمل 24\ 24 ، لدينا تجهيزات معقولة وخصوصا إننا لا نتلقى أي تمويل ، نقدم العلاج والدواء مجاني للجميع ، لدينا ألان غيار وصحة عامة ، وصيدلية ، وقريبا سنفتتح المختبر ، تحويلات لعيادات تخصصية خارجية باجر رمزي .
المخيم الجديد، كل حي منه ستجده كخلية النحل، ناس تبني، تبيع وتشتري، أطفال يتراكضون يلعبون، ويضحكون ملء أفواههم الصغيرة، تشعر بالسعادة والأمل.
حين سألنا ابتسام عن مكان سكنها وأسرتها، أجابت: هناك.. روح على اليمين ، وبعدين على اليسار ، البيت المحروق بيتنا ، والبيت الذي بقربه مدمر هو بيت خالتي !! ... ثم تستوضح بثغرها الباسم ، هل عرفت ؟ !
لا تدري ابتسام أن كلماتها البريئة تحمل في طياتها إرادة .. والبساطة التي بين شفتيها تحدي ...
وان في روحها من الحياة ما يكفي امة فقدت الحياة والحياء معا .