لقاء: إعداد انتصار الدّنان
عيونهم، لا تزال هناك، بوطن كان لهم فيه حكايات، هو الأرض والشعب والبيت، مكان ولادتهم وربما لن يكون مكان مثواهم الأخير.
عيونهم تأبى النسيان شاخصة هناك صوب ماضٍ مرّ معهم، عبر الوطن إلى بلاد اللجوء والغربة والارتحال يبحثون عن وطن.
عاشوا المستقبل بكل مرارته، أنهكهم العمر والارتحال والغربة ملّوا الحياة بعيداً عن رائحة الصفير الآتية من بلاد فقدوها غدراً لتكون لآخرين، ثابروا وتابعوا الحياة ليس إلا لاستكمال العمر المفروض عليهم بالقدر الذي حكم عليهم بالغربة.
إنهم فلسطينيون، يحملون بطاقة لاجئ فلسطيني حرم حتى أدنى الحقوق الإنسانية والمدنية التي تؤهله أن يكون إنساناً على الأقل.
عدد من أناس فلسطينيين ممن شهدوا اللجوء ومرارته، شهدوا ما حلّ بفلسطين وما آلت بهم ظروفهم اليوم أجريت معهم لقاء تحدثت فيه معهم عن حياتهم منذ ولادتهم حتى يوم النكبة إلى اليوم.
قالوا لي أنهم لم يضيّعوا أرضهم (باعونا العرب يماً) أحدهم قال أنهم استبسلوا في الدفاع عن أرضهم، قاتلوا، ضحوا بالغالي والرخيص وبالرجال والأولاد والمال، فالحاج فواز حافظ شهابي (أبو أديب) من قرية لوبية قضاء طبريا كان لقاؤنا به مميزاً.
كم كان عمرك يوم تركت فلسطين؟ وما تذكر منها؟
أجاب بأن عمره كان لا يتجاوز العاشرة من العمر، تكلم على حياته الماضية بكل حنان ومحبة وأمنية بالعودة إلى الوطن الحبيب، تعلّم هناك في مدارس الانتداب البريطاني آنذاك وفي المدرسة صور للمعارك التي حدثت مع النازيين، لكنه لم يستطع أن يتابع دراسته هناك لأنه ترك وطنه يافعاً.
هو من قرية لوبية لكنه يذكر بأنه عاش فترة من الزمن في حيفا مع أهله لأن والده كان يعمل في شركة بترول وتسمى "وايفر" وهذه الشركة على ما يذكر أنها كانت تمد الحلفاء بالبترول وكان والدي يعمل في قسم الخزانات ويذكر أيضاً بأن إيطاليا كانت تغير على هذه الخزانات لأنها حليفة ألمانيا وهذه الشركة كانت تابعة لبريطانيا، ويخبرنا أيضاً أنه بعد الحرب العالمية الثانية بدأت عملية مؤازرة البريطانيين لليهود ضد العرب وكانوا يساعدون الإسرائيليين في وضع يدهم على المراكز الحيوية وخصوصاً (البترول – سكك الحديد – الموانئ) وكانوا يبنون المستعمرات في الأماكن الحيوية تسهيلاً لشق الطرقات للوصول إلى المراكز الحيوية وحينها كانت قد بدأت المناوشات بين العرب والهاغانا وعلى ما يذكره أن أحداً من رجال الهاغانا رمى قنبلة داخل شركة فقُتِل خمسةٌ من العرب وجُرِح منهم أربعون شخصاً، وبعدها بدأت الشركات البريطانية تطرد العرب طرداً تعسفياً، ليحل في اليوم التالي مكانهم موظفون من الإسرائيليين.
بعد طرد والده عادوا إلى قريتهم لوبية ليعاودوا واجباتهم الطبيعية من جديد وهو دخل المدرسة الابتدائية الحكومية التي كانت تتبع وقتها للحكومة البريطانية بعد أن كان يدرس على أيدي مشايخ من أهل قريته. تغيرت ملامح المدرسة بالنسبة إليه صورة تشرشل، صور للدولة البريطانية بأماكنها الكثيرة، صور لطائرات بريطانيا العظمى وهي تقصف برلين، تراكمت أمامه الصور بدأ متابعة دراسته إلى أن وصل إلى الصف الرابع ولم يتابع دراسته هناك لأنه يذكر بأن معركة وقعت بين شبان فلسطينيين وقوات الهاغانا تسمى (معركة الشجرة) استخدمت فيها الرشاشات كان هذا مع بدايات النكبة. وجرت معارك أخرى في مناطق أخرى، "معركة على طريق طبريا وأخرى في عكا"، لكن الشعب الفلسطيني كان يدافع ويقاتل حتى 15 أيار حين وصول الدول العربية. فبمساعدة القوة البريطانية استطاع اليهود إسقاط منطقة طبريا، من خلال الحصار الذي فرضوه عليها. بعد سقوط هذه المنطقة اجتمع أهل البلد ومنهم صدقي الطبري الذين قرروا متابعة المعارك والدفاع عن الأراضي التي لم تسقط، واجتمع الفلسطينيون بكل طوائفهم للدفاع عن الوطن. من قال أن الفلسطينيين لم يكونوا شجعاناً فهو خاطئ فهم مدربون تدريباً عالياً، كان جيشهم أقوى جيش فهم وسلاح الفرسان (قوى الدفاع عن الحدود) جيش الاحتياط تدرب خلال الحرب العالمية الثانية (دربهم الإنكليز) كان معهم السلاح العتيد (بنادق انكليزية – كندية – رشاشات) ويذكر أنه على الجهة الشمالية من الوطن (منطقة صفد) احتدمت المعارك بين الفلسطينيين واليهود وكُتب النجاح للفلسطينيين في معركة قضوا فيها على نحو مئة وستين يهودياً لكنهم تفاجأوا في اليوم التالي باليهود الذين يدقون أبوابهم فقد انسحبت الجيوش العربية ليحل محلها اليهود. لكن في قريته كانت المعاملة على نحو آخر، فقد كان اليهود على أيام عديدة يغيرون بطائراتهم الحربية ثلاث غارات يلقون في كل غارة سبع قذائف أو قنابل وإجمالي العدد 21 قذيفة، وهذا كان بشكل متوالٍ والهدف إرهاب الناس وإخراجهم من البلدة، لكنهم كانوا محصنين بمغاور تحت الأرض قديمة وأثرية يختبئ داخلها الأطفال والنساء والرجال يبنون الدشم حول القرية للدفاع عنها (قصف اليهود، حرقوا بيادر القمح) لكن الفلسطينيين لم يستسلموا قاتلوا ببسالة إلى أن نفذت أسلحتهم وذخيرتهم، منتظرين الإمداد من جيش الإنقاذ، وصل الإمداد – الطلقات منتهية الصلاحية والعرب يراوغون والجيش لا يريد أن يحارب، رجع العرب إلى بلادهم وهُجّر الشعب الفلسطيني ليحل محله شعب آخر أتى من الشتات.
وبعد أن خرجت من لوبية إلى أين ذهبت؟
خرجنا حفاة ننام هنا وهناك ننتقل من منطقة إلى أخرى حتى سقطت كل المناطق، بعدها لم يعد لدينا أمل في العودة إلى الوراء، إما الموت وإما الخروج من فلسطين. وصلنا إلى الجنوب اللبناني، حفاة، عراة، جياع، عطاشى نمنا تحت الشجر.
متى وصلتكم مساعدات الأمم المتحدة؟ وعندما وصلت ماذا فعلت؟
تأخرت وصولها ربما ثلاثة شهور. وا وصلت نقلتنا إلى مخيم عين الحلوة، لم يكن جحيماً بل كان مأساة كبيرة (طعمونا) وأعطونا خياماً لنسكنها، كانت غير جيدة، تقع علينا لأقل نسمة هواء، لم يكن هناك مدارس وخدمات جيدة.
عملَ كثيراً وتعلم إلى أن وصل العمر به إلى اليوم، يتمنى العودة إلى فلسطين الذاكرة ليحضن ترابها ثروة تركها ليهود نهشوا تراثه وتاريخه، احتلوا أرضه، وسكنوا بيته، هذا هو حال كل فلسطيني، يأبى النسيان ويتمنى العودة.
وكان لنا لقاء آخر مع الحاجة مريم الأحمد من الخالصة. سألناها كم كان عمرك يوم تركت فلسطين؟
ما أذكره هو أنه كان عندي أربعة أولاد، كنت صبية.
كيف كانت علاقتك باليهود؟
كان بيتنا يطل على منطقة المطلة التي كان المستعمرون يسكنوها هي على حدود لبنان وليس لنا خلطة بهم.
كيف كانت حياتكم قبل النكبة؟
كنا نزرع ونفلح أرضنا، كنا نعيش في بيوتنا، بملكنا.
متى خرجتم من فلسطين؟ ولماذا؟
مع بدايات المعارك، وبعد مذبحة دير ياسين وكان عندي ولد عمره خمسة عشر يوماً.
إلى أين لجأتم في لبنان؟
إلى مركبا على أساس كم يوم ونرجع، لكنا بقينا في مركبا مدة ثمانية شهور ومن ثم انتقلنا إلى منطقة حبوش حيث سكنا سبع سنين، لم نسكن الخيام، استأجرنا عمل زوجي أجيراً ليسدّ نفقات الحياة، وبعد أن تم تأمين مستلزمات الحياة في المخيم جئنا إليه وسكناه.
ما هي ذكريات اللجوء؟
ذكريات أليمة مررت بها، مررت بها، لم يعان شعبنا فقط من النكبة، إنما ما بعد النكبة، اللجوء إلى لبنان، مرّ العيش وفقدان الأهل والأمان، فقد فقدت أخاً شاباً والأولاد في مجزرة تل الزعتر ولم تنته القصة ففي عام الاجتياح فقدت في مجزرتي صبرا وشاتيلا أمي وأختي وأولاد أختي، ذاقوا المرّ ولكن ليس هناك من يشعر بما ذاقه الشعب الفلسطيني.
هل تتمنين العودة إلى فلسطين؟
مع كل طلعة شمس أتمنى ذلك، أحن إلى بيتي وطريقه، إلى رائحة تراب فلسطين فهي الأم الحنون.
وبلقائنا مع الحاجة نظيرة بظالوا – مهتار من عكا كان لنا معها الأسئلة التالية:
كم كان عمرك يوم تركت فلسطين؟ وأين كنت تسكنين؟
أجابت بأنه كان لديها من الأولاد أربعة وعندما تزوجت كانت في سن الخامسة عشر. كانت تسكن في بيت استأجرته في عكا من السيد فندي المتا.
ما كان عمل زوجك عندما خرجت من فلسطين؟ وما كانت علاقتكم بالمستوطنين؟
كان زوجي يعمل في دائرة البوليس البريطاني، ولم تكن لنا علاقة بالمستوطنين.
هل شهدت المعارك؟ وما هو سبب خروجك من فلسطين؟
لم أشهد المعارك لأنّ زوجي أخرجني من عكا عن طريق البحر إلى لبنان حتى لا نتأذى على أساس خمسة عشر يوماً ونعود، أخذت معي بعض المستلزمات من ماء وطعام وملابس، لم أعرف أنّ الرحلة ستطول وبعد ذلك لحق بي زوجي على أساس أنه قيل له أن زوجتك وأولادك يعيشون في مكان تحت الأرض تقريباً وأنه خاف عليهم، هو شهد الحرب حتى آخر لحظة، وكان الانكليز قد أعطوه مفاتيح دائرة الشرطة وأسلحتهم، وعند خروجه من عكا إلى لبنان للاطمئنان علينا سقطت عكا فمن بقي داخلها بقي داخلها ومن كان خارجها لم يستطع العودة ثانية.
أين سكنتم عندما جئتم من فلسطين إلى لبنان؟
أجابت بأن والدها كان له أهل، نزلوا عندهم في جامع بطاح، أخذوا بيتاً غرفة الجامع على باب السراي من إمام الجامع. وكانت حالتها أفضل بكثير من آخرين سكنوا الجامع وقطعّوه إلى غرف بـ (حرامات) جعلوا قواطع لتأويهم بعدما كان لهم دورٌ كبيرة يهنئون في السكن داخلها.
وعندما أرادوا بناء الجامع كان لا بد وأن يُخرِجوا من فيه، فأحضروا القطارات لأخذ الناس إلى مخيم النيرب – حلب – الشام، لكنهم رفضوا الخروج من لبنان، ومات والدها وهي ما زالت في الجامع. فاستأجرت بيتاً في صيدا البلد، ما زال مستأجر لها ويسكنه ولدٌ من أولادها.
ما هو الشيء الذي تذكرينه من فلسطين؟
لا زلت أذكر كل شيء، ففي سنة الاجتياح سُمح لبعض الفلسطينيين أن يأخذوا تصاريحاً لزيارة فلسطين، فكنت ممن لهم الحظ في زيارة فلسطين ومكثت فيها مدة 23 يوماً زرت بيتي وبيت خالي سابقاً (اليوم يسكنه فلسطينيون من الضيع) زرت الراهبات المكان الذي تعلمت فيه، زرت ميرة السمك، أمضيت أجمل أيام العمر التي فاتتني.
كيف كانت سنوات اللجوء؟
ليس هناك أمرّ من هذه الكلمة وأمرّ من هذه السنوات، فقد استشهد ابني حسين أثناء قيامه بعملية بطولية فدائية، لكن خانه الحظ فوقعت قذيفة منهم على الأرض وانفجرت فاستشهد جميع من كان معه.
وفي سنوات الاجتياح اعتقل اليهود ثلاثة من أولادي ذاقوا المرّ والعذاب على أيدي العدو الغاصب وكان لهم نصيب في الاعتقال، اعتقلوا في معتقل "أنصار".
سنة ونصف قضوها في الاعتقال، خرجوا ليجدوا والدهم قد أصيب بالفالج من حزنه عليهم، ظل على هذه الحال مدة خمس سنوات إلى أن توفاه الله.
هل تتمني العودة إلى فلسطين؟
"يا ريت" قالتها بالفم الملآن "من بعد عز بيتوني بخان" هذا مثل يعني الكثير، الغربة، الغربة، الغربة – العزة في أرض الوطن، في بيت تسكنه وعائلتهاليوم من مكان إلى مكان تنتقل كالقطة التي تبحث عن ملاذ.
فلسطين هي المنى وهي المرتجى، كلهم لهم الأُمنية ذاتها يتمنون أن يحتضن تراب الأرض هناك أجسادهم لينعموا بنومة هانئة تظللها أشجار التين والزيتون.
ارتحال
انتصار الدنان
ونعبر العمر ارتحالاً
من بلد إلى بلد
ومن مخيم إلى مخيم .
نحمل حقيبة سفر :
"أوراق – سجلات – مفاتيح"
كل ما نحمله داخلها
ذكريات...
لم يكن العمر يوماً إلا ارتحالاً
نحمل حقيبة وطن
نبحث عنه
"في روايات أجدادنا
في عيون أمهاتنا
في رسومات أطفالنا
في سجلات مؤرّخينا"
غاب الوطن في أذهاننا
لمضي العمر ارتحالاً.
آلهة الشمس خبرتني
"أننا سنعود يوماً"
ستظل ترمق فلسطين بعين الرحمة،
وتنشر عليها عبيرها الساطع
وتنثر فوقها عرق الليل المظلم
لتجففه رجالاً عمالقة
ليصير الوطن لجوءاً
لا ارتحالاً