قراءة في دراسة إبداع ناجي العلي

* دراسة في إبداع ناجي العلي – دار الكنوز الأدبية *
طه العبد
قليلة هي الدراسات الجادة التي تتناول الفن الساخر "الكاريكاتور" بطريقة علمية ممنهجة قادرة على استيعاب هذا المبحث المهم من مباحث الفن المعاصر " خاصة و أن اللوحة الساخرة أضحت " و منذ أمل ليس بالقصير مادة صحافية يومية على صفحات الجرائد و سائر المطبوعات .... خاصة الدورية منها ... و من جانب أخر فان تناول أحمد مبدعي هذا المنحى الفني بالدراسة و التحليل بدا أمرا ضروريا لا لاستيعاب التكوين الشخصي لهذا الفنان أو ذاك بقدر ما هو إثراء لدراسة الفن الساخر بشكل عام من حيث المؤثرات و الخصائص و سواهما من عوامل التكوين العام للمجتمع و المثقف و المادة الإعلامية و الموقف العام أو السائد تجاه قضية ما ، و لا سيما و أن اللوحة الساخرة تلخص بشكل عام موقفا طارئا فتقدمه مستخدمة مجموعة من الخطوط مترافقة أو غير مترافقة مع تعليق أو حوار يضيء الجانب المظلم منه أو يشكل محورا فيه . "الفن ظاهرة اجتماعية ، و شكل من أشكال الوعي الاجتماعي ، يعمل على عكس الواقع في عموميته" هكذا يقرر الباحثان عبده الأسدي و خلود تدمري في الفصل الأول من كتابهما "دراسة في إبداع ناجي العلي" الذي فيه يعرضان الفن الساخر في معرضه التاريخي بدءا من العهد اليوناني ، الفراعنة ، أو المصريين القدماء الذين اعتبرهم المؤرخون أنهم أول من رسم الفن الساخر لا بشكله الهزلي بل كما كان متأصلا في وعيهم الميتولوجي العام ... و في هذا الفصل كذلك يقسم الباحثان العناصر المكونة للوحة الساخرة إلى قسمين ...(1) عناصر هامة أو أولية و تشمل السخرية ، المأساة التشاؤمية أو التفاؤلية ، (2) العناصر الثانوية القائمة على المبالغة و القيمة النفعية و التي من خلالها يبرز العمل المحترم أو المفيد بشكل جميل بينما نقيضه بالشكل القبيح و اعتمد الباحثان على المضمون في اللوحة أو موضوع فكرتهما " السياسية ، اجتماعية ، رياضية .... " بتقسيمهما لأنواع الرسم الساخر و اعتبرا كذلك أن الكاريكاتورية السياسي هو الأكثر أهمية بين الأنواع المذكورة و هوالتحريضية.ا تكون برأيهما .. عاكسة للمجتمع من خلال الوظيفة الاجتماعية كما أنه يقوم على أسس مجموعة أخرى من الوظائف منها الجمالية و التاريخية و التحريضية . تعمل هذه الأخيرة و فقد إليه ذات ثلاثة أبعاد " التحديدي الوصفي ، التقويمي ، ألحضي أو التحريضي ... " و يخلصان في نهاية الفصل إلى أن الخطاب الكاريكاتوري السياسي بمكوناته البنيوية يستهدف لشحن الإشارات و الرموز اللغوية في الكاريكاتوري و اعطاءها مدلولاتها الخاصة _ التحريضية من خلال البعد التقويمي للكاريكاتور السياسي . في الفصل الثاني يدرس الباحثان شخصية الفنان ناجي العلي مسلطين الضوء على حياته و العناصر التي مكنته من امتلاك أدواته الفنية عبر تفاعل الظروف "الواقع السياسي الاجتماعي ، ذاته كفنان ملتزم . نتاجه الفني – الذات الأخرى ، الجمهور و القارئ و المشاهد " و يستعرضان في هذا المبحث مسيرة حياته منذ ولادته في قرية الشجرة قضاء طبريا و ليس الجليل كما ورد ... و حتى استشهاده عام 1987 في لندن إلا إنهما وقعا في إشكالية عمره عند خروجه نازحا من فلسطين فجاء في الصفحة "32" أن عمره كان اثنا عشر عاما بينما في الصفحة "47" ورد انه كان عشر سنوات و هو ما نرجحه ، كما أورده الفنان نفسه . كان ناجي العلي نتاج حركة القوميين العرب التي نمت في وعيه قوميته العربية و رغم أنه كان قوميا في رؤيته السياسية إلا أن فنه كان يأخذ بعدا إنسانيا كونيا شاملا في حدود الثوابت الوطنية و مناصرة حركات التحرر العالمية و لم تثنيه عن خطه تلك الخطوط الحمراء التي رسمت له أو تلك التهديدات التي كانت تصله تباعا حتى قبل اغتياله بيوم واحد . أن أهم الخصائص المترافقة معه فناجي العلي إلا أن سمة النقد و المرارة الواضحة تبقى في عداد الخصائص المترافقة معه فناجي العلي لا يرسم الكاريكاتور بفرصه الإضحاك أو التسلية بقدر ما يتناول النقد لغة خفية خلف الشخوص أو الرموز التي تشي في وعي المتلقي بالحزن والمرارة ... إنها شر البلية وشر البلية ما يضحك... رموز ناجي العلي التي تناولها الباحثان نعتقد انه كان بالا مكانه شراءها أكثر بل و تقسيمها إلى السياسية و طارئة ... فالأساسية هي " حنظلة " و " فاطمة " و " أبو محمد " أو " الزلحة " و "ساندريلا " و " المتكرثون أو أكياس الشحم " ... و طارئة كالأعلام و الهلال و الصليب و النعش و الجندي الصهيوني و البراميل وسواها... في الفصل الثالث الذي جعله المؤلفات وقف على دراسة إبداع ناجي العلي فتناول فيه الباحثان إعمال الفنان الفنية بطريقة منهج تحليل المضمون التي تمكن من التخلص نتائج دقيقة حول هواجس الفنان الداخلية من خلال النسب المؤية التي تظهر خلال هذه الطريقة التي تناول بها الباحثان دراسة " المجال – الموضوع – الشخصيات – الرموز – النص – الأفكار الرئيسية – الخطوط – الأستمالات – القيم – حنظلة و دوره داخل النص " و خلال هذه الدراسة التحليلية ... تبين للباحثات . نتائج كان أهمها * تركيز الفنان على الفكرة قبل كل شيء مما جعله يخضع المكونات الفنية لخدمتها . * كاريكاتير ناجي العلي نكته سوداء تحمل بدلا من الإضحاك الكثير من المرارة أو الحزن أخيرا ، و بالقدر الذي نؤكد فيه على أهمية هكذا دراسات فإننا نعتقد أن الدراسة هذه ما زالت مفتوحة للاستطراد و الإضافات خاصة في تناول مسيرة حياة ناجي العلي و تسليط الضوء على مسألة اغتياله إرهاصاتها و تنفيذها و محاور نفيه و المضايقات التي تعرض لها . إلا أن هذا العمل يمثل بنية أكاديمية نفتح المجال أمام من سيتناوله لاحقا لا لأنه شكل مدرسة فنية لها أبجديتها فحسب بل باعتباره رمزا نضاليا ملتزما بقضايا شعبه و أمته رافضا لنماذج الخضوع و الاستسلام و اللإستزلام.